محمد جمال الدين القاسمي
407
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
فمن أين يحصل القطع بأنه هو ؟ لا سيما والنصارى قد حكموا أن المسيح عليه السلام قد أعطي قوة التحوّل من صورة إلى صورة . ويحتمل أن المسيح ذهب في الجماعة الذين أطلقهم الأعوان ، وكان المتكلم معهم تلميذ أراد أن يبيع نفسه من اللّه تعالى وقاية للمسيح . فألقى اللّه تعالى عليه الشبه . وأتباع الأنبياء يفدون أنفسهم لأنبيائهم . وهذا فدى نفسه لإلهه ، بزعم النصارى . ومنها : أنه يحتمل أن الأعوان ارتشوا على إطلاقه كما ارتشى يهوذا على الدلالة عليه . وأخذوا غيره ممن يريد أن يفدي نفسه للمسيح . والدليل عليه عدم اعترافه بأنه المسيح . ومنها : قوله عليه السلام الذي تقدم آنفا : أنا ماكث معكم زمانا . ثم أنطلق إلى من أرسلني . فتطلبوني فلا تجدوني . وحيثما أكن فلا تستطيعون إليّ سبيلا ، فهذا صريح في الثاني عشر من ( إنجيل يوحنا ) ما لفظه : قال له الجموع : نحن سمعنا من الناموس أن المسيح يمكث إلى الأبد . فكيف تقول أنت أن ابن البشر سوف يرتفع . من هو هذا ابن البشر ؟ قال لهم يسوع : إن النور معكم زمانا آخر يسيرا . امشوا ما دام لكم النور . لئلا يدرككم الظلام . ومن يمش في الظلام فلا يدري أين يذهب . آمنوا بالنور ما دام لكم النور . قال يسوع هذا وذهب متواريا عنهم . انتهى . ففي هذا الكلام أدلة كثيرة مؤيدة لقوله تعالى : بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ [ النساء : 158 ] . منها : أن اليهود قالوا لعيسى : إن المسيح المذكور في العهد القديم يمكث إلى الأبد . أي : فإن كنت أنت المسيح فأنت لا تموت في هذا الزمان . بل تبقى إلى قيام الساعة . ولم يكذبهم في نقلهم ذلك . والمسلمون يقولون : إنه رفع حيّا إلى السماء وهو الآن حيّ فيها . وسينزل آخر الزمان عند قرب الساعة . ويقتل الدجال ويحكم بالشريعة المحمدية . ويتوفى ويدفن عند النبيّ صلى اللّه عليه وسلم . فهو حيّ إلى الأبد ، يعني إلى قرب قيام الساعة ونزوله وموته من أمارات الساعة الكبرى . وفي هذا القول دلالات ظاهرات أيضا على أنه ليس بإله : أحدها - أنه قال : ابن البشر . يعني لا تظنوا أني أدعي الألوهية وإن أحييت الموتى . لأن ذلك معجزة خلقها اللّه تعالى على يده للإيمان بنبوّته . ثانيها : لو كان إلها لما توارى منهم خائفا من قتلهم له . لأن الإله هو خالق لهم ولعملهم . وعالم بزمن قدرتهم عليه . فكيف يفرّ وهو يعلم وقت موته ؟ وهو خالق